عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي

51

دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )

الحقيقة إصلاح وتهذيب وتقويم لكلّ اعوجاج في المجتمع ، سواء ما اتّصل بالفرد أو ما اتّصل بالجماعة » . « 1 » إذا كانت العاطفة عنصراً رئيسياً يرسم من خلالها الهجّاء المساوئ الخلقية ، وهى في الوقت نفسه عنصر رئيس يرسم من خلالها المدّاح الفضائل الخلقية ، فأميل إلى ما ذهب إليه شوقي ضيف باعتباره الهجاء « الصحيفة التربوية المقابلة للمديح ، فالمديح يرسم المثالية الخلقية لهذه التربية ، والهجاء يرسم المساوئ الفردية والاجتماعية التي ينبغي أن يتخلص منها المجتمع الرشيد » . « 2 » لذلك أرى أنّ الهجاء كشف العيوب وعدُّ المثالب في الفرد والمجتمع وإبراز النقائص محاولًا الإصلاح والتوجيه وما عدا ذلك سبٌّ وشتمٌ لا يلتفت إليه . نشأة الهجاء يحتلّ فنّ الهجاء مكانة ممتازة بين الأغراض الشعرية القديمة في الأدب العربي فقد قيل : « إنّ بيوت الشعر أربعةٌ : فخر ومديح وهجاء ونسيب » « 3 » غير أنّنا نرى أحد القدماء قد حدّد الشعر في قسمين اثنين وهما « مدحٌ وهجاء » . « 4 » عرفت الحضارات القديمة والآداب العالمية ، الهجاء منذ القديم مع فروق في نشأته وتطوّره ، فكان في المسرحيات الدينية عند بابل شئ يشبه الهجاء ، كما نجد في القصائد المتبقية عن مصر القديمة ألواناً من الهجاء يلعنون فيها سارقي القبور والكنوز ، ونرى الهنود والصينيين يترنّمون بقصائد الهجاء في ذمّ الشرّ والذين يهدّمون السِّلمَ ويعتدون على الأصنام ، ونرى في المسرحيات اليونانية ألواناً من الهجاء تشتمل على ذمّ المرأة الفاجرة ، أو الآلهة الغادرة ، أو اللصّ الباغي ، أو التاجر البخيل ، وشهدت الملاحم عند اليونان والرومان أشكالًا

--> ( 1 ) - ضيف ، شوقي . فصول في الشعر ونقده ، دار المعارف ، القاهرة ، 1971 م ، ص 20 . ( 2 ) - ضيف ، شوقي . تاريخ الأدب العربي ( العصر العباسي الأول ) الطبعة 8 ، دار المعارف ، القاهرة ، 1982 م ، ص 167 . ( 3 ) - ابن خلكان ، ج - 1 ص 311 . ( 4 ) - ابن رشيق ، أبو علي حسن القيرواني . العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده ، تحقيق : عبد الحميد هندآوي ، المكتبة العصرية ، صيدا - بيروت ، 2004 م ، ج - 1 ص 109 .